الشيخ محمد بن محمد رضا القمي المشهدي
356
تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب
تفارق روحه جسده . فقال اللَّه سبحانه : وعزّتي وعظمتي لا أحجب التّوبة عن عبدي حتّى يغرغر بها . وفي الكافي ( 1 ) : عن الصّادق - عليه السّلام - : إذا بلغت النّفس هاهنا - وأشار بيده إلى حلقه - لم يكن للعالم توبة ، ثمّ قرأ هذه الآية ( 2 ) . وفي تفسير العيّاشيّ ( 3 ) : عن الباقر - عليه السّلام - مثله ، وزاد : وكانت للجاهل توبة . ولا يخفى المنافاة بينه وبين الأخبار الأوّلة . وقيل في الجمع ( 4 ) : لعلّ السّبب في عدم قبول التّوبة من العالم في ذلك الوقت ، حصول يأسه من الحياة بأمارات الموت ، بخلاف الجاهل فإنّه لا ييأس إلَّا بمعاينة الغيب . وأقول في الجميع : يمكن أن يكون المراد بذنب العالم الَّذي ليس له فيه توبة ، ذنب صدر عنه بإضلال النّاس ، عالما بإضلالهم للأغراض الدّنيويّة ، فلا تقبل توبته - حينئذ - لأنّ محض النّدم في ذلك لا ينفع ، لأنّ جمعا كثيرا قد عملوا بعلمه وضلَّوا ، فلا يجدي ندمه في ذلك الآن ، فلا تقبل توبته . والمؤيّد لهذا الجمع ، أنّه رتّب الحكم في الآية على العمل ، وقال : « لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ » وفي الخبر على صفة العلم ، فيعلم أنّ منشأ العصيان إذا كان العمل ، فهو قابل للتّوبة وقبولها . وإذا كان منشأه العلم ، ليس بهذه المثابة . قيل ( 5 ) : ومن لطف اللَّه بالعباد ، أن أمر قابض الأرواح بالابتداء في نزعها من أصابع الرّجلين ، ثمّ يصعد شيئا فشيئا إلى أن يصل إلى الصّدر ، ثمّ ينتهي إلى الحلق ، ليتمكّن في هذه المهلة من الإقبال بالقلب على اللَّه - تعالى - والوصيّة والتّوبة ما لم يعاين ، والاستحلال وذكر اللَّه - سبحانه - فيخرج روحه وذكر اللَّه على لسانه ، فيرجى بذلك حسن خاتمته . رزقنا اللَّه ذلك ، بمنّه وكرمه . « فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ » : وعد بالوفاء ، بما وعد به وكتب على نفسه من قبول التّوبة .
--> 1 - الكافي 1 / 47 ، ح 3 . وفيه ذكر سند الرواية إلى جميل بن درّاج قال : سمعت أبا عبد اللَّه - عليه السّلام - يقول : . . . 2 - ذكر في المصدر نفس الآية بدل « هذه الآية » . 3 - تفسير العياشي 1 / 228 ، ح 64 . 4 - تفسير الصافي 1 / 399 . 5 - نفس المصدر 1 / 399 - 400 .